ابن عجيبة
431
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
كما بيّنه في القرآن ، أو كل أمة أمرت بالجهاد ووعدهم هذا الوعد . وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ؟ هو مبالغة في الإنجاز ، أي : لا أحد أوفى منه بالعهد ، فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ أي : فافرحوا به غاية الفرح ، فإنه أوجب لكم أعظم المطالب ، كما قال : وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ . قال بعضهم : ناهيك من بيع ، البائع فيه رب العلا ، والثمن جنة المأوى ، والواسطة محمد المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم . الإشارة : قد اشترى الحق جل جلاله منا أنفسنا وأموالنا بالجنة ، فمن باع نفسه لله ؛ بأن خالف هواها وخرق عوائدها ، وسعى في طلب مولاها ، عوضه جنة المعارف ، معجلة ، وزاده جنة الزخاف ، مؤجلة . ومن باع ماله ؛ بأن أنفقه في مرضاة اللّه ، وبخل بنفسه ، عوضه جنة الزخارف ، مؤجلة . قال في الإحياء - في باب الذكر وفضيلته - : وأنه يوجب الأنس والحب ، فإذا حصل الأنس بذكر اللّه انقطع عن غير اللّه ، وما سوى اللّه هو الذي يفارقه عند الموت ، فلا يبقى معه في القبر أهل ، ولا مال ، ولا ولد ، ولا ولاية ، ولا يبقى معه إلا ذكر اللّه ، فإن كان في أنس به تمتع به ، وتلذذ بانقطاع العوائق الصارفة عنه ، إذ ضرورات الحاجات في الحياة تصد عن ذكر اللّه ، ولا يبقى بعد الموت عائق ، فكأنه خلّى بينه وبين محبوبه ، فعظمت غبطته ، وتخلص من السجن الذي كان ممنوعا فيه ، عما به أنسه . ثم قال : ولأجل شرف ذكر اللّه عظمت رتبة الشهادة ؛ لأن المطلوب هو الخاتمة ، ومعنى الخاتمة : وداع الدنيا كلها ، والقدوم على اللّه ، والقلب مستغرق بالله ، منقطع العلائق عن غيره ، والحاضر صفّ القتال قد تجرد قلبه لله ، وقطع طمعه من حياته ، حبا لله وطمعا في مرضاته ، وحالة الشهيد توافق معنى قولك : ( لا إله إلا اللّه ) ، فإنه لا مقصود له سوى اللّه . ه . فما يجده أهل التملق من لذيذ الحلاوة في مناجاتهم ، وأهل الشهود في حال غيبتهم في محبوبهم ، ليس هو من نعيم الدنيا ، بل من نعيم الجنة ، قدّمه اللّه لأوليائه ، وهو معنى جنة المعارف المعجلة ؛ عوضا لمن باع نفسه لله . قال بعض العارفين : النفوس ثلاثة : نفس معيبة ، لا يقع عليها بيع ولا شراء ، وهي نفس الكافر ، ونفس تحررت ؛ لا يصح بيعها ، وهي نفس الأنبياء والمرسلين ، لأنها خلقت مطهرة من البقايا ، ونفس يصح بيعها وشراؤها ، وهي نفس المؤمن ، فإذا باعها لله ، واشتراها الحق تعالى منه ، وقع عليها التحرير ، وذلك حين تتحرر من رقّ الأكوان ، وتتخلص من بقايا الأثر . وقال بعض أهل التحقيق : اشترى اللّه تعالى أعز الأشياء بأجل الأشياء ، وإنما اشترى الأنفس دون القلوب ؛ لأن القلب حر لا يقع عليه البيع ؛ لأنه لله ؛ فلا يباع ولا يشترى ، أما سمعت قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « القلب بيت الرب » .